اسد حيدر

385

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

ودخول السوق بالعز ، كما يحدثنا المعلى بن خنيس قال : رآني أبو عبد اللّه وقد تأخرت عن السوق فقال لي : اغد إلى عزك . وقال لآخر وقد ترك غدوه إلى السوق : ما لي أراك تركت غدوك إلى عزك ؟ قال : جنازة أردت أحضرها . قال : فلا تدع الرواح إلى عزك . وقال لمعاذ بياع الأكسية عندما ترك التجارة : لا تتركها فإن تركها مذهبة للعقل ، اسع على عيالك وإياك أن يكونوا هم السعاة عليك . وسأل عن رجل من أصحابه فقال : ما حبسه عن الحج ؟ فقيل : ترك التجارة وقل شيئه ، فاستوى الإمام جالسا وكان متكئا ثم قال : لا تدعوا التجارة فتهونوا ؛ اتجروا بارك اللّه لكم . وقال معاذ : قلت لأبي عبد اللّه : إني هممت أن أدع السوق ، فقال : إذا يسقط رأيك ولا يستعان بك على شيء . فهو بهذه التعاليم القيمة يبعث في نفوس أصحابه إلى طلب المعاش ليوجد منهم ذوي نفوس لا تخضع لذي ثروة ، ويصونوا كرامتهم عن الخضوع له والاستغناء عنه ، وليكونوا ذوي قدرة على الإنفاق عن سعة لمساعدة ذوي العسرة وأهل الضنك من المؤمنين . ولما كان حب المال يؤدي إلى الانصراف عن قيم الحياة الرفيعة ، ويدعو صاحبه إلى العناء والاستغراق في جمعه والانشغال به ، نبه على ذلك بقوله : ليكن طلبك للمعيشة فوق كسب المضيع ودون طلب الحريص الراضي بدنياه المطمئن إليها ، انزل نفسك من ذلك بمنزلة المنصف المتعفف ، وترفع بنفسك عن منزلة الواهن الضعيف ، وتكسب ما لا بد منه للمؤمن . ثم يحدثهم عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم بما يرويه عن آبائه في الإجمال بالطلب وعدم الاستغراق في حب المال . ولما كان الاقتصاد في المعيشة أقوى عامل للتوفير وزيادة الثروة ، فلم يهمل هذه الناحية بل نبه عليها بقوله : « إن السرف يورث الفقر ، وإن القصد يورث الغنى » . دعوته إلى العمل : وكان يحث على العمل ويعمل بنفسه ولا يحتقر ذلك ، لأن كرامة الإنسان في عمله ، فهو عليه السّلام قد حث على العمل قولا وفعلا . وقد تضافرت الأخبار بأنه كان يعمل بيده ويتجر بماله . يحدثنا أبو عمر الشيباني ، قال : رأيت أبا عبد اللّه الصادق وبيده مسحاة يعمل